الشيخ الطوسي

314

المبسوط

لأن ذلك ليس بصرف ، وإنما يراعي جميع ذلك في البيع والصرف ، وعلى من جمع بينهما الدلالة . إذا كان له في ذمة رجل مال فوهبه له ذلك كان ذلك إبراء بلفظ الهبة ، وهل من شرط صحة الإبراء قبول المبرء أم لا ؟ قال قوم من شرط صحته قبوله ولا يصح حتى يقبل وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله ، وهو الذي يقوى في نفسي لأن في إبرائه إياه من الحق الذي له عليه منة عليه ، ولا يجبر على قبول المنة ، فإذا لم نعتبر قبوله أجبرناه على ذلك كما نقول في هبة العين له أنها لا تصح إلا إذا قبل . وقال قوم إنه يصح شاء من عليه الحق أو أبى ، لقوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة وأن تصد قوا خير لكم " ( 1 ) فاعتبر مجرد الصدقة ولم يعتبر القبول ، وقال تعالى " ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا " ( 2 ) فأسقط الدية بمجرد التصدق ولم يعتبر القبول ، والتصدق في هذا الموضع الإبراء ، وهذا أيضا ظاهر قوي . هذا إذا وهب لمن عليه الحق فأما إذا وهبه لغيره فهل يصح أم لا ؟ يصح ذلك إذا كان من عليه الحق معينا وكان قدر الحق الذي عليه معلوما ، ويجوز أيضا بيعه وقال قوم : لا يجوز هبته كما لا يجوز بيعه ، فمن قال يصح هبته لزمت الهبة بنفس العقد ، ولا يشترط القبض في لزومه مثل الحوالة ، ومنهم من قال لا يصح بيعه ولا هبته ولا رهنه ، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يجوز بيعه وهبته ورهنه ولا مانع منه . صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام ، من شرطها الإيجاب والقبول ولا يلزم إلا بالقبض ، وكل من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة عليه . الحاج إذا اشترى في سفره شيئا بأسامي أصدقائه ومات في الطريق ، كان ورثته بالخيار فيما اشتراه وسماه لأصدقائه ، إن شاؤوا أمسكوه ، وإن شاؤوا أهدوا لهم ، لأن الهدية لا تصح إلا بالإيجاب والقبول ، ولا تلزم إلا بالقبض ، وكذلك إذا أهدى إلى رجل شيئا على يد رسول فإنه على ملكه بعد ، وإن مات المهدى إليه كان له استرجاعه

--> ( 1 ) البقرة : 280 . ( 2 ) النساء : 92 .